أبو حامد الغزالي

143

تهافت الفلاسفة

من النفوس ، لا نهاية لأعدادها ، إذ لم تزل نطفة من إنسان ، وإنسان من نطفة ، إلى غير نهاية ، ثم إن كل إنسان مات ، فقد بقيت نفسه ، وهي بالعدد غير نفس من مات قبله ، ومعه ، وبعده ، وإن كان الكل بالنوع واحدا ، فعندكم في الوجود في كل حال ، نفوس لا نهاية لإعدادها . فإن قيل : النفوس ليس لبعضها ارتباط بالبعض ، ولا ترتيب لها ، لا بالطبع ولا بالوضع ، وإنما نحيل نحن موجودات لا نهاية لها ، إذا كان لها ترتيب بالوضع كالأجسام فإنها مرتبة بعضها فوق بعض ، أو كان لها ترتيب بالطبع ، كالعلل والمعلولات ، وأما النفوس فليست كذلك . قلنا : وهذا الحكم في الوضع ليس طرده بأولى من عكسه ، فلم أحلتم أحد القسمين دون الآخر ، وما البرهان المفرق ؟ ! . وبم تنكرون على من يقول : إن هذه النفوس التي لا نهاية لها عندكم ، لا تخلو عن ترتيب ، إذ وجود بعضها قبل بعض ، فإن الليالي والأيام الماضية لا نهاية لها ، وإذا قدرنا وجود نفس واحدة ، في كل يوم وليلة ، كان الحاصل في الوجود الآن ، خارجا عن النهاية ، واقعا على ترتيب في الوجود ، أي بعضها بعد البعض ؛ والعلة غايتها أن يقال : إنها قبل المعلول بالطبع ، كما يقال : إنها فوق المعلول بالذات لا بالمكان ، فإذا لم يستحل ذلك في « القبل » الحقيقي الزماني فينبغي أن لا يستحيل في « القبل » الذاتي الطبيعي . وما بالهم لم يجوزوا أجساما بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير نهاية ، وجوزوا موجودات بعضها قبل بعض بالزمان إلى غير نهاية ؟ ! ، وهل هذا إلا تحكم بارد لا أصل له ؟ ؛ . فإن قيل : البرهان القاطع على استحالة علل لا نهاية لها ، أن يقال : كل واحدة من آحاد العلل ، ممكنة في نفسها أو واجبة ؟ ! فإن كانت واجبة ، فلم « 1 » تفتقر إلى علة ؟ ! ، وإن كانت ممكنة ، فالكل موصوف بالإمكان ، وكل ممكن فيفتقر إلى علة زائدة على ذاته ، فيفتقر الكل إلى علة خارجة عنه .

--> ( 1 ) يصح فيها من حيث المعنى النفي والاستفهام الإنكارى ، ولكن الاستفهام أنسب لمناسبة وجود الفاء .